## خلفية الاحتجاجات
- المؤلف: لين السعدي - الدور: بي بي سي نيوز العربية – دمشق - التاريخ: - - وقت القراءة: 5 دقائق
شهدت الأيام الأخيرة تحولات ملحوظة في المظاهرات التي انطلقت في عدة مدن سورية، إذ تحولت الدعوات الأصلية للمطالبة بمحاكمة المسؤولين عن انتهاكات ارتكبت خلال فترة حكم الرئيس السابق بشار الأسد إلى توترات ذات طابع أمني في مناطق عدة. وتواجه السلطات الآن اختباراً حساساً يتمثل في تحقيق العدالة دون إشعال الصراعات المجتمعية التي خلفها سنوات من الحرب.
### المطالب المتعلقة بالمساءلة
يطالب المتظاهرون بمحاسبة من يصفونهم بـ«بقايا النظام السابق» على انتهاكات الماضي، كما يطالبون بإبعاد الشخصيات المرتبطة بالنظام السابق عن مواقع النفوذ وحظر وجودهم في بعض الأحياء. ويتهم بعض المتظاهرين بوجود تسويات وإعادة دمج لبعض عناصر النظام السابق في مناصب حكومية وأمنية.
## الاشتباكات الأمنية والضحايا
أفضت الاحتجاجات أحياناً إلى أعمال عنف، شملت الاعتداء على أفراد متهمين بصلاتهم بالنظام السابق، وتحطيم عدد من واجهات المحال التجارية. ففي مدينة تدمر (ريف حمص) أدّت الاشتباكات إلى إصابة ثمانية أشخاص إثر إلقاء الحجارة، بحسب وزارة الداخلية للحكومة السورية الانتقالية.
## بؤرة المزة 86 وخوف من الانتقام
ازدادت المخاوف من الطابع الطائفي للاضطرابات بعد أن رفع بعض المتظاهرين شعارات استهدفت الطائفة العلوية، التي ينتمي إليها عائلة الأسد. كما تداولت صور تحث الأشخاص المرتبطين بالنظام السابق على مغادرة بعض البلدات.
- ظل حي المزة 86 في دمشق، الذي يغلب عليه الطابع العلوِي، في حالة من الهدوء الحذر بعد محاولات دخول المتظاهرين إلى المنطقة ليلة الثلاثاء، حيث قامت قوات الأمن بإغلاق مداخل الحي لعدة ساعات.
- أفاد سكان محليون بوقوع اعتداءات محدودة وتحطيم واجهات محال تجارية، إضافة إلى إصابة شخص واحد بطعنة. وحثت الشرطة الأهالي على البقاء في المنازل، كما تم فرض طوق أمني لمنع تصعيد الأوضاع.
- قالت سيدة تعيش في الحي، فضلت عدم الكشف عن هويتها، إنها شهدت شباباً يحملون عصياً ويرفعون شعارات مهينة للطائفة العلوية. وأضافت: «أنا أؤيد محاسبة من ارتكبوا الجرائم بحقنا، لكن يجب التمييز بين المواطنين العاديين الذين يريدون العيش ببساطة وبين أولئك المسؤولين حقاً عن سفك الدماء. إن الانتقام بهذه الطريقة لن يولد إلا المزيد من الكراهية والعنف».
## مظاهرات برزة ودعوات لاحتواء التوترات
شهدت ضواحي العاصمة مشهداً مماثلاً عندما تقدم متظاهرون من حي برزة باتجاه منطقة عش الورور، وهي منطقة يغلب عليها الطابع العلوِي. قال أسامة علي رجب، رئيس مجلس بلدية برزة، لـ«بي بي سي العربية» إن البطء في تقدم ملف العدالة الانتقالية، إلى جانب الظروف الاقتصادية الصعبة، قد فاقم الإحباط الشعبي. وأكد رجب أن السكان يدركون ضرورة محاكمة المسؤولين عن الانتهاكات ضمن إطار قانوني يمنع الاعتقالات التعسفية أو الانتقام الشخصي.
وأوضح رجب أن شيوخ الحي طلبوا من المتظاهرين عدم الاقتراب من الحي المجاور، مشددين على أن «الوعي المدرك هو الأسمى، والمصلحة العليا للوطن هي السلام؛ فلا يريد الأهالي مواجهة».
## تحذيرات من المنظمات الحقوقية من العقاب الجماعي
ردّت منظمات حقوقية سورية على الاحتجاجات محذرة من أن المطالبة بالعدالة قد تنزلق إلى انتقام غير قانوني. وحثت السلطات على حماية النظام العام مع ضمان خضوع المساءلة للإجراءات القضائية الصحيحة.
وصف الصحفي والناشط الحقوقي يامن حسين الاحتجاجات بأنها مظهر من مظاهر الإحباط المتزايد لدى قطاع من السوريين الذين يعتبرون تأخر الوعود الانتقالية خيانة. ولاحظ حسين ازدياد الخطاب الطائفي التحريضي على وسائل التواصل الاجتماعي، الذي يستهدف العلوِيين وسكان المناطق التي كانت خاضعة سابقاً للنظام، محذراً من أن مثل هذا الخطاب يهدد بتوسيع الفجوات المجتمعية.
وأضاف حسين أن الأزمات السياسية والاقتصادية المتشابكة، إلى جانب فشل الحكومة في معالجتها، قد عززت الاستياء الشعبي، في حين يبدو أن بعض الفاعلين السياسيين يستغل غضب الشعب لصالحهم عبر تحويله إلى كبش فداء لتفريغه من أزماتهم الذاتية.
## الموقف الرسمي من العدالة الانتقالية
أعادت الحكومة السورية الانتقالية التأكيد على التزامها بمسار العدالة والمسائلة.
- نشر وزير العدل مضر الويس على منصة إكس (تويتر سابقاً) أن الدولة تواصل محاكمة المتورطين في انتهاكات أثناء فترة حكم النظام السابق ولن تسمح بالإفلات من العقاب.
- شدد المتحدث الرسمي لوزارة الداخلية نور الدين Baba في مؤتمر صحفي على أن محاكمة الجناة حق للمتضررين، وأن القضاء والمؤسسات الأمنية تتحمل مسؤولية توفير هذا الحق.
- كثفت الوزارتان نشر نتائج التحقيقات الأخيرة وعمليات أمنية أدت إلى اعتقال أشخاص مرتبطين بالنظام السابق. وأفادت وزارة العدل بشهادات من محتجزين متهمين بارتكاب جريمة بحق مريض في مستشفى تشرين العسكري أثناء النزاع، ما أدى إلى وفاته.
- تضمنت إجراءات أمنية إضافية اعتقال رئيس لجنة الأمن والعسكرية السابق في المنطقة الجنوبية تحت حكم الأسد، واعتقال حارس سجن سيء السمعة، وتفكيك خلية وصفها وزير الداخلية بأنها شبكة تجسس تعمل ذراعاً للنظام السابق على الأراضي السورية.
أصدرت لجنة العدالة الانتقالية بياناً يوم الاثنين أكدت فيه حقوق الضحايا وأسرهم في الحقيقة والعدالة والمسائلة. وشددت على أن العدالة الانتقالية تقوم على المسؤولية الفردية، معارضة العقاب الجماعي أو الانتقام خارج نطاق القانون.
وحذرت اللجنة من أن الانتقام الجماعي يتعارض مع مبادئ العدالة والمعايير الحقوقية، محتملة التسبب في مظالم جديدة تهدد السلم الأهلي.
## الجدل الدائر حول آليات العدالة
أثارت الاحتجاجات مجدداً الجدل حول كيفية تحقيق العدالة في سوريا، وما هي المؤسسات المخوّلة بتنفيذها، وكيفية المضي قدماً في مشهد أمني واجتماعي معقّد يتخلله العديد من الفاعلين المتهمين بانتهاكات الحرب.
تركز النقاش على حدود المسؤولية الفردية مقابل الانتماءات الجماعية، وعلى كيفية التمييز بين الجناة الحقيقيين وأولئك المرتبطين بشخص معين. ويجري هذا النقاش وسط مخاوف متزايدة من أن تتسبب التصعيدات الحالية في المساس باستقرار المدنيين.
باختصار، في الوقت الذي يستمر فيه الضحايا بمطالبة العدالة للانتهاكات السابقة، تحذر التحذيرات من خطر تحول الغضب الشعبي إلى عقاب جماعي تضع السلطات السورية أمام اختبار معقّد: تحقيق العدالة الانتقالية دون إعادة إنتاج الانقسامات الطائفية التي خلفها الحرب.