## مقدمة تتحمل دول الخليج حالياً عبء المواجهة غير المباشر مع إيران، رغم مساعيها المتكررة لتفادي الانخراط في التصعيد العسكري الإقليمي. فقد تكبدت هذه الدول خسائر فادحة من الهجمات الإيرانية المستمرة عبر الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، إضافة إلى تداعيات إغلاق مضيق هرمز الذي شكّل تهديداً وجودياً لنموذج اقتصادي الخليج القائم على الاستقرار وجذب الاستثمارات. وتبرز اليوم مخاوف متزايدة من أن التفاهم الأمريكي الإيراني المؤقت لن يحقق أمن الخليج المنشود، مع استمرار غياب ضمانات حقيقية لوقف التهديدات الإيرانية ضد دول المنطقة.
## تأثيرات التصعيد العسكري على أمن الخليج ونموذجها الاقتصادي شهدت دول الخليج خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من التصعيد العسكري مع إيران تداعيات غير مسبوقة على مستويي الأمن والاقتصاد، حيث تحوّلت إلى الطرف الأكثر تضرراً من الحرب رغم عدم مشاركتها المباشرة في العمليات القتالية. فقد استهدفت الهجمات الإيرانية بالطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية منشآت حيوية في عدة دول خليجية، بما في ذلك منشآت نفطية ومرافق لوجستية، ما أدى إلى تعطيل جزء من إمدادات الطاقة العالمية ورفع تكاليف التأمين على الشحن في المنطقة. كما أن إغلاق مضيق هرمز لفترات متقطعة خلال فترات الذروة من التصعيد أثر بشكل مباشر على تدفق التجارة العالمية، حيث يعبر المضيق نحو 20% من إمدادات النفط العالمية يومياً، ما زاد من ضغوط على نموذج اقتصادي الخليج القائم على تصدير الطاقة وجذب الاستثمارات الأجنبية. وتشير التقديرات إلى أن الخسائر المباشرة لدول الخليج من الهجمات الإيرانية وتداعيات إغلاق المضيق تتجاوز عشرات المليارات من الدولارات حتى الآن، دون احتساب الخسائر غير المباشرة من تراجع الاستثمارات وتراجع معدلات النمو. كما أدت هذه التداعيات إلى إعادة تقييم كامل لاستراتيجيات الأمن الوطني لدول الخليج، التي وجدت نفسها في مواجهة تهديدات مباشرة لم تكن مستعدة لها بشكل كامل، رغم وجود تحالفات أمنية مع قوى عالمية على مدى عقود.
## مخرجات التفاهم الأمريكي الإيراني: آمال خليجية محبطة كشفت التسريبات الأخيرة حول مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية، المقرر توقيعها في 15 يونيو 2026، عن بنود تهدف إلى تحقيق وقف الأعمال القتالية لمدة 60 يومًا، تُستكمل خلالها مفاوضات تسوية دائمة تشمل ملف اليورانيوم المخصب. ورغم أن هذا الاتفاق المؤقت يمثل خطوة أولى لخفض التصعيد، إلا أنه أثار خيبة كبيرة لدى دول الخليج التي لم تُشرك في المفاوضات، ولم يتضمن بنوداً تتعلق بمخاوفها الأمنية الأساسية. وأكد مصدر خليجي رفيع المستوى لوكالة رويترز أن خفض التصعيد "أمر إيجابي، لكن الوضع أسوأ على نحو لا لبس فيه مما كان عليه قبل الحرب"، مشيراً إلى أن الاتفاق لا يتناول القدرات العسكرية الإيرانية ولا شبكات الميليشيات الإقليمية التي تشكل تهديداً مباشراً لأمن الخليج. ويرى محللون أن الاتفاق يتجاهل بشكل كامل المطالب الخليجية المتعلقة بحدود البرنامج الصاروخي الإيراني، الذي يُعدّ الأداة الرئيسية التي تستخدمها إيران لتهديد دول المنطقة، فضلاً عن غياب أي ضمانات لوقف الهجمات الإيرانية المستقبلية ضد منشآت خليجية. كما أثار الاتفاق تساؤلات حول دور الولايات المتحدة كضمان للأمن الخليجي، خاصة بعد أن تغيّب البنود الخاصة بالردع ضد أي اعتداءات إيرانية مستقبلية على حلفاء واشنطن في المنطقة.
## تحول في الحسابات الاستراتيجية لدول الخليج أدت خيبة مخرجات التفاهم الأمريكي الإيراني إلى تسريع تحوّل استراتيجي عميق في مواقف دول الخليج، التي بدأت تبتعد عن الاعتماد الكلي على المظلة الأمنية الأمريكية، وتبحث عن بدائل ردع خاصة بها. فبعد عقود من الاعتماد على الحماية الأمريكية لاحتواء التهديدات الإيرانية، أدرك حكام الخليج أن واشنطن لا تضع أولويات الأمن الخليجي في صدارة مفاوضاتها مع طهران، كما أن الاتفاق الأخير لم يتضمن أي ضمانات لوقف التهديدات الإيرانية ضد المنطقة. ووفقاً لمصادر خليجية رفعة المستوى، بدأت دول الخليج في إجراء مشاورات مباشرة مع إيران لتفادي أي تصعيد مستقبلي، رغم انعدام الثقة المتبادلة بين الجانبين، كما أنها تسعى إلى تعزيز التعاون الأمني مع قوى إقليمية أخرى لسد الفجوة الأمنية الناتجة عن تراجع الثقة بالحماية الأمريكية. وقال فواز جرجس الباحث في شؤون الشرق الأوسط لوكالة رويترز: "تدرك دول الخليج أكثر فأكثر أن إيران باقية، وأنها لا تزال قادرة على زعزعة النظام الإقليمي، ولا يمكنهم الاعتماد على الولايات المتحدة ولا إسرائيل لتوفير الأمن أو الاستقرار". كما أن هذه التحولات دفعت دول الخليج إلى تسريع مساعيها لتنويع تحالفاتها الأمنية، بما في ذلك تعزيز التعاون مع دول آسيوية وأوروبية لضمان وجود ضمانات أمنية بديلة في حال استمرار التهديدات الإيرانية.
## مخاطر استمرار غياب ضمانات أمنية لدول الخليج تبرز اليوم مخاطر كبيرة على أمن الخليج مع استمرار غياب ضمانات حقيقية لوقف التهديدات الإيرانية، خاصة مع استمرار إيران في تطوير قدراتها العسكرية بما في ذلك الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، التي استخدمت في الهجمات الأخيرة ضد منشآت خليجية. كما أن عدم معالجة ملف شبكات الميليشيات الإقليمية المدعومة من إيران في اليمن والعراق ولبنان يمثل تهديداً مستمراً لأمن دول الخليج، حيث تستخدم هذه الميليشيات كأدوات لزعزعة الاستقرار في المنطقة دون تحمل إيران للمسؤولية المباشرة. وأشار حسن الحسن من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى أن "مذكرة التفاهم لن تعالج على الأرجح المخاوف الأمنية الجوهرية لدول الخليج المتعلقة بالقدرات العسكرية الهجومية الإيرانية، ولا سيما الصواريخ والطائرات المسيّرة وشبكات الميليشيات الإقليمية". كما أن استمرار غياب إشراك دول الخليج في مفاوضات تسوية دائمة مع إيران يزيد من مخاطر استمرار التصعيد العسكري في المستقبل، خاصة إذا فشلت المفاوضات الحالية في تحقيق تقدم ملموس في ملف اليورانيوم المخصب، مما قد يدفع إيران إلى استئناف أنشطة التخصيب بشكل كامل، ويزيد من حدة التهديدات ضد دول الخليج. وتشير التقديرات إلى أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تراجع نموذج اقتصادي الخليج القائم على الاستقرار بشكل كبير، مع ارتفاع تكاليف التأمين على الاستثمارات وتراجع تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية إلى المنطقة، مما يؤثر سلباً على معدلات النمو الاقتصادي لدول الخليج على المدى الطويل.