## مقدمة
تسعى ليبيا، التي تعيش حالة انقسام بين حكومتي طرابلس والشرق منذ سقوط نظام القذافي، إلى إنهاء مرحلة الانتقال الطويلة عبر اتفاق جديد يحدد خريطة طريق للانتخابات خلال ثمانية أشهر. يأتي هذا الإتفاق في وقت تتصاعد فيه الضغوط الدولية، لا سيما من الولايات المتحدة التي تدعم خطة بديلة عبر الجيش الوطني الليبي. مقارنةً بين الخريطتين تكشف عن أبعاد سياسية وأمنية واقتصادية قد تحدد مستقبل الاستقرار الليبي. يهدف هذا التحليل إلى تقديم مقارنة موضوعية بين الخريطة الداخلية للانتخابات والخطة الأمريكية، مع إبراز المزايا والعيوب لكل منهما، وتقييم فرص التنفيذ في ظل التحديات الراهنة.
## الخارطة الليبية للانتخابات: الأهداف والآليات
تستند الخريطة الليبية إلى اتفاق رؤساء مجلس النواب والمجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة، وتحدد موعداً نهائياً للانتخابات الرئاسية والتشريعية لا يتجاوز 17 فبراير 2027، أي خلال ثمانية أشهر من توقيع الاتفاق. الهدف الرئيسي هو إنهاء المرحلة الانتقالية وتوحيد مؤسسات الدولة المتفرقة. تشمل الآلية تشكيل لجنة فنية مستقلة لإدارة العملية الانتخابية، وإشراف دولي من الأمم المتحدة لضمان الشفافية. كما يُفترض أن تُعقد الانتخابات بشكل متزامن لتقليل الفجوات الأمنية بين الفترات الانتخابية. من بين المزايا البارزة: وجود توافق داخلي بين القادة السياسيين، وتعزيز الشرعية الدولية عبر إشراف الأمم المتحدة. ومع ذلك، تواجه الخريطة صعوبات تتعلق بضعف البنية التحتية الانتخابية، وتفشي العنف في بعض المناطق الشرقية، بالإضافة إلى نقص الثقة بين الفصائل المسلحة التي قد تعرقل سير العملية.
## الخطة الأمريكية البديلة: ملامحها ومقاصدها
تقدم الولايات المتحدة، من خلال مستشار شؤون أفريقيا، مسعد بولص، خطة بديلة تستهدف توحيد السلطة التنفيذية قبل الانتقال إلى الانتخابات. تعتمد الخطة على دعم الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، وتستهدف إنشاء حكومة وحدة وطنية تشرف على تنظيم الانتخابات في وقت لاحق. تُبرز الخطة مزاياها في توفير دعم عسكري وأمني قوي يضمن استقرار المناطق الساخنة، بالإضافة إلى إمكانية استقطاب موارد دولية لتمويل العملية الانتخابية. ومع ذلك، تثير الخطة مخاوف حول شرعيتها، خاصةً أن الدعم يُعطى لجيش يُنظر إليه كقوة عسكرية وليست سياسية، ما قد يفاقم الانقسام بين الفصائل. كما أن الاعتماد على الدعم العسكري قد يؤدي إلى تأخير الانتخابات الفعلية، وتحويل التركيز إلى توحيد السلطة التنفيذية على حساب المشاركة الشعبية.
## المزايا والعيوب مقارنةً بين الخريطتين
من الناحية الإيجابية، توفر الخريطة الليبية توافقاً داخلياً يُظهر نية سياسية واضحة لإنهاء الفوضى، وتستفيد من إشراف دولي يضيف مصداقية. بالمقابل، تُظهر الخطة الأمريكية قدرة على فرض استقرار أمني سريع عبر دعم الجيش، ما قد يخلق بيئة ملائمة للانتخابات المستقبلية. أما العيوب، فتكمن في أن الخريطة الداخلية تعاني من ضعف القدرات اللوجستية والمالية، وتواجه مخاطر عسكرية قد تُعيق سير العملية. بينما الخطة الأمريكية قد تُقابل بمعارضة شرعية من قبل مؤسسات دولية تُفضل الحلول السياسية على العسكرية، وتُعرّض ليبيا لتدخل خارجي قد يُنظر إليه كقمع للسيادة الوطنية. بالتالي، يتطلب النجاح مزيجاً من الشرعية الداخلية والضمانات الأمنية الدولية.
## التحديات الأمنية واللوجستية
تُعد الفصائل المسلحة المتعددة، خاصةً في بنغازي وطبرق، أحد أبرز العقبات التي قد تعرقل تنفيذ أي خريطة. تحتاج السلطات إلى اتفاقات أمان مع هذه الفصائل لضمان وصول فرق الانتخابات إلى جميع المناطق. بالإضافة إلى ذلك، فإن البنية التحتية الانتخابية – من مراكز الاقتراع إلى أنظمة التسجيل – ما زالت متدهورة بسبب سنوات الصراع. تحتاج الخطة إلى موارد مالية ضخمة لتحديث الأنظمة وتدريب الكوادر. من جانب آخر، الخطة الأمريكية تعتمد على الدعم العسكري لتأمين المناطق، لكن ذلك قد يُفضي إلى توتر مع القوى الإقليمية التي تدعم الفصائل المعارضة. لذا، فإن أي مسار يجب أن يتعامل مع هذه التحديات عبر حوار شامل وشراكات إقليمية لضمان استدامة الأمن.
## آفاق التنفيذ وتأثيرها على الاستقرار
إذا نجحت الخريطة الليبية في تنظيم انتخابات شفافة ضمن الإطار الزمني المحدد، فإن ذلك قد يُسهم في تشكيل حكومة موحدة تُعزز الشرعية وتقلل من الانقسام. سيؤدي ذلك إلى جذب استثمارات دولية وإعادة بناء المؤسسات العامة. بالمقابل، إذا فشلت الخطة بسبب العنف أو نقص التمويل، قد يتفاقم الانقسام وتستمر الأزمات الإنسانية. أما الخطة الأمريكية، فإن نجاحها يعتمد على قدرة الجيش الوطني الليبي على توفير الأمن وتشكيل حكومة وحدة تُقبلها جميع الأطراف. قد يؤدي ذلك إلى تقليل التدخلات الأجنبية إذا تم تحقيق استقرار داخلي، لكنه يحمل خطر تعزيز سلطة عسكرية على حساب الديمقراطية. في النهاية، فإن مستقبل ليبيا سيُحدد بمدى قدرة الأطراف على الجمع بين الشرعية السياسية والأمن الفعّال.