## مقدمة
شهدت تحويلات المصريين العاملين في الخارج ارتفاعاً غير مسبوق خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي 2025/2026، حيث بلغت نحو 34.9 مليار دولار، ما يعادل زيادة 32 ٪ على أساس سنوي. يأتي هذا الارتفاع في ظل ضغط كبير على الاقتصاد المصري، الذي يواجه مستويات مرتفعة من الدين الخارجي والاعتماد المتزايد على تدفقات العملة الصعبة. يتناول المقال الأسباب الرئيسة وراء هذا القفزة، مع التركيز على تأثير سياسات الصرف، القضاء على السوق الموازية، وتسهيل الخدمات المصرفية للمغتربين، بالإضافة إلى تقييم احتمالية استدامة هذه الزيادة في المستقبل القريب.
## تحرير سعر الصرف وتعويم الجنيه
أحد أهم العوامل التي ساهمت في رفع حجم التحويلات هو تحرير سعر الصرف في مارس 2024، حيث تُركت قيمة الجنيه لتتحدد عبر آليات العرض والطلب. أدى هذا الإجراء إلى استقرار سعر الدولار عند حوالي 50 جنيهاً، ما أزال الفجوة الكبيرة بين السعر الرسمي والسوق الموازية. عندما يثق المغتربون بأن أسعار الصرف في البنوك تعكس الواقع، يتجهون لاستخدام القنوات الرسمية لتجنب خسائر الفروقات الكبيرة. الخبراء يربطون بين هذا الاستقرار وزيادة الثقة في النظام المصرفي، وهو ما ينعكس مباشرة على حجم التحويلات.
## القضاء على السوق الموازية وإعادة الثقة
قبل تحرير الصرف، كان السوق الموازية تجذب نسبة كبيرة من التحويلات بسبب الفرق الواسع بين السعر الرسمي والسوق السوداء. مع إلغاء هذه القنوات غير الرسمية، عاد المغتربون إلى البنوك الرسمية، حيث يمكنهم تحويل أموالهم بأمان وبأسعار شفافة. السفير حداد الجوهري أشار إلى أن القضاء على السوق السوداء كان خطوة محورية، إذ أتاح للمغتربين تحويل أموالهم دون مخاطر الخسارة أو التعقيدات القانونية. هذا التحول ساهم في رفع حجم التحويلات إلى مستويات قياسية.
## تسهيل فتح حسابات بنكية للمصريين في الخارج
إحدى المبادرات الأخيرة التي أثرت إيجابياً على التحويلات هي تسهيل فتح حسابات بنكية للمصريين في دول الإقامة، خصوصاً في الإمارات. تسمح البنوك المصرية بفتح حسابات بالعملات الأجنبية داخل فروعها بالخارج، مما يتيح للمغتربين إرسال أموالهم مباشرة إلى حساباتهم في مصر دون الحاجة إلى وسطاء. هذه الخطوة لا تقلل فقط من تكاليف التحويل، بل تعزز أيضاً من سرعة وصول الأموال إلى الأسر المستفيدة، مما يرفع من حجم التحويلات السنوية.
## تحسين أوضاع العمالة في دول الخليج وزيادة الرواتب
تحسن الظروف المعيشية والرواتب في دول الخليج، لا سيما في الإمارات والسعودية، يلعب دوراً إضافياً في رفع حجم التحويلات. مع ارتفاع الأجور وتوفير حوافز سكنية وصحية، يتمكن العاملون المصريون من توفير جزء أكبر من دخلهم وتحويله إلى مصر. بالإضافة إلى ذلك، تسهم سياسات الدعم السكني والإسكان التي تقدمها بعض الدول المستضيفة في زيادة القدرة الشرائية للمغتربين، ما ينعكس إيجابياً على حجم التحويلات.
## هل ستستمر الزيادة؟ نظرة مستقبلية
تستند توقعات الخبراء إلى أن الزيادة قد تستمر إذا استمرت السياسات الحالية في تعزيز الثقة بالمصارف الرسمية وتوفير بيئات عمل مستقرة في دول الخليج. ومع ذلك، قد تؤثر أي تقلبات اقتصادية إقليمية أو تغييرات في سياسات الصرف على هذا الاتجاه. يُشير عبد النبي عبد المطلب إلى أن استمرار تحرير سعر الصرف وتوسيع الخدمات البنكية للمغتربين سيبقي تدفقات التحويلات قوية، لكن أي تراجع في الأجور أو توترات جيوسياسية قد يحد من النمو.